العامل الأكثر أهمية والذي يؤثِّر بشكل مباشر في الربط بين مفهومي الكفاءة الفعالية، ويحقِّق الإنتاجية والأداء الأمثل؛ هو تحليل احتياجات المستفيدين الذين تخدمهم مؤسَّسات المجتمع ومنها جميع الجهات الخيرية، فإنها من المفترض أن تصمِّم أعمالها وبرامجها وتوفِّر مواردها المادية والبشرية بناءً على تلك الاحتياجات، بصفتها أساسًا لوجودها مع برامجها وأنشطتها كافَّةً.
ويشكِّل تقدير احتياجات المستفيدين من خدمات الجهات الخيرية حجرَ الأساس في تحقيق أهدافها الاستراتيجية؛ كونه يوفِّر المعلومات الأساسية التي تعتمد عليها خططها، ويساعدها في ترتيب أولويات الخدمات التي تقدِّمها للمستفيدين، فضلًا عن بناء الرؤى التنموية المستقبلية للمجتمعات.
والاحتياج أو الحاجة تعني الفرق بين الحالة المرغوبة والواقع الفعلي الحالي، وتُعَرَّف بأنها: حالة عدم توازن يشعر بها فرد أو جماعة أو مجتمع، نتيجة الإحساس بالرغبة في تحقيق هدف معيَّن يحتاج تحقيقه إلى توفُّر إمكانيات أو موارد معينة.
والاحتياج التنموي هو كلُّ ما تحتاج إليه عملية التنمية لمجتمع معين من موارد مالية وبشرية وبناء قدرات وغيرها، هذه الاحتياجات تُعكَس في شكل خطط وبرامج ومشاريع يحتاج إليها المجتمع، وتلبِّيها الجهات المهتمَّة بالجوانب التنموية في المجتمعات، ومنها الجهات الخيرية.
أما عملية تحليل الاحتياجات التنموية للمستفيدين أو تقييمها فتعني: دراسة مجتمع معيَّن من حيث توفُّر موارده التنموية (الطبيعية، والبشرية، والمجتمعية)، وتحديد المشكلات التنموية وترتيب أولوياتها، وتحديد الأنشطة التنموية اللازمة لمعالجة تلك المشكلات. كما تعني تحديد الفجوات التنموية بين الظروف الراهنة والأوضاع المطلوب الوصول إليها، وغالبًا ما يُستخدَم هذا التحليل بوصفه مدخلا لتحسين حياة الأفراد، أو برامج التعليم والتدريب، أو المنظَّمات، أو المجتمعات المحلية.
وعملية تحليل الاحتياجات التنموية أداة مهمَّة من أدوات إدارة العمل التنموي، فهي تساعد في بناء قدرة أفراد المجتمع على الإسهام في تحديد مشكلاتهم وتحليلها، والمشاركة في التفكير في الحلول الممكنة، واتِّخاذ قرارات بشأن أفضليات الأعمال التي تُؤَدَّى باستخدام الموارد المتاحة، كما تساعد في وضع الخطط التنموية وَفْق رؤية أعضاء المجتمع أنفسهم.
وتأتي أهمية عملية تحليل الاحتياجات وتقديرها من كونها أداةً مهمَّة تؤدِّي إلى التحديد الدقيق لاحتياجات المجتمع بشكل عامّ، واحتياجات المستفيدين من برامج التنمية (الرعاية والإغاثة في الظروف الطارئة) بشكل خاصّ، مصحوبةً بتوفير معلومات أساسية بدرجة عالية من الدقَّة حتى يُعتمَد عليها في اتِّخاذ القرارات المستقبلية، وبناء الخطط التنموية التي تلبِّي الاحتياجات الحقيقية للمستفيدين، مع تقديم أفضل المقترحات للاستخدام الأمثل للوقت والموارد المتاحة، والطرق الممكنة لتحسين البرامج والخدمات، فضلًا عن الترتيب الموضوعي لأولويات الأنشطة والبرامج المستخدمة، والتقدير الموثوق لحجم الموارد والاحتياجات المطلوبة.
والخلاصة أنَّ تحليل الاحتياجات التنموية وتقديرها يكتسب أهمية خاصَّة؛ كونه يمثِّل التشخيص الذي يسبق وصفة العلاجات الناجعة المبنية على الكشف الصحيح عن موطن الداء والتقدير السليم للاحتياج الذي يقرّره الطبيب الحاذق، والذي يكون مدخلًا أساسيًّا في كتابة وصْفة علاجية ناجعة يتوقَّع بموثوقية عالية أن تُذهِب الداء وتسدَّ النقص والحاجة، كما تشكِّل حلقة وصل مهمة بين كفاءة الأداء وجودته وكُلْفته، وبين فعاليته من حيث تحقيقه للأهداف المرسومة.
وفي المقابل، يمثِّل غياب المنهجية العلمية في التحليل السليم والتقدير الصحيح لاحتياجات المستفيدين فقدانَ صُنَّاع القرار الخيري لبوصلة التركيز على أهم معايير اعتماد البرامج والأنشطة، فيوقعهم في فخِّ التوقُّعات والافتراضات التي تعني العشوائية في التقدير، وما يصاحب ذلك -بقصد أو بغير قصد- من الهدر أو القصور في تقدير الموارد اللازمة أثناء محاولاتها لسدِّ تلك الاحتياجات.
