تحرير/ فريق جين التنموية
تُقدّر نسبة المساعدات والمعونات الإغاثية المقدمة لمنظمات المجتمع المدني في الدول النامية بـ 1% فقط! وأشارت بعض الأبحاث الخاصة بأن غالبية التمويل يتم توجيهه من خلال جهات التمويل الوسيطة خارج نطاق الدول النامية، دون الالتفات إلى دور الجهات الفاعلة المحلية وإمكانياتها المحتملة، مما أدى إلى إضعاف كفاءة وفعالية المنظمات وعرقلة التقدم نحو تحقيق التنمية المستدامة.
في تقرير سنوي يختص بدراسة حالة المجتمع المدني، تمت الإشارة إلى خمسة أسباب قدمها الممولون لتراجع مبادرتهم واستعدادهم لدعم منظمات المجتمع المدني في البلدان النامية. وكانت تلك الدواعي كالآتي:
- غالبية منظمات المجتمع المدني الصغيرة تفتقر إلى القدرة على تلبية جميع متطلبات الحصول على التمويل، إضافة لعدم قدرتها على صرف الأموال على نحوٍ مُجدٍ.
- عدم امتلاك جهات التمويل القدرات الإدارية التي تمكنّها من توفير مبالغ قليلة من الأموال.
- حاجة جهات التمويل لوجود عدد من الشركاء الجديرين بالثقة لتعزيز القدرة على إدارة المخاطر والامتثال لقواعدها وسياساتها.
- وجود قواعد صارمة لمكافحة الإرهاب وغسيل الأموال تؤزّم من إمكانية تمويل منظمات المجتمع المدني بشكل مباشر.
- مواجهة جهات التمويل للكثير من الضغوطات السياسية والمحلية التي تعيق من القدرة على العطاء.
على الرغم من أن الأسباب السابقة قد لا تكون مقنعة لمنظمات المجتمع المحل في البلدان النامية؛ إلّا أن هناك جهودًا حثيثة لمعالجة تلك القضايا.
حيث تبنّت الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية USAID عمليات تهدف إلى تطوير استراتيجية للتكييف المحلي (Localization Strategy). كما قامت إحدى المنظمات الخيرية الخاصة مثل Stars Foundation بتوجيه نداءات واسعة حول أهمية تمويل منظمات المجتمع المدني بشكل مباشر. إضافةً لذلك، تعمل وزارة التنمية الدولية في المملكة المتحدة DfID على إجراء تحسينات واسعة النطاق لشراكة المجتمع المدني تتضمن تهيئة الظروف المحلية في توفير المزيد من التمويل المباشر لتلك المنظمات في الدول النامية.
مما لا شك فيه بأنه يمكن لقوى الجهات المحلية الفاعلة أن تقدم أفضل الحلول وأكثرها استدامةً؛ ولكن القضية المحورية تكمن في مدى استعداد المانحين على التخلص من نظام العمل الخيري المقولب. إذ يتمثل جزء من هذه القضية في أن علم العطاء يغلب على فن التغيير المجتمعي. فعلى سبيل المثال، نظرًا لحاجة المانحين إلى قياس النتائج، قاموا بالتعاقد من منظمات من المجتمع المدني ممن يتمتعون بمهارات في معارف الإدارة والمساءلة؛ إلّا أنهم لم يثبتوا كفاءةً عملية في القدرة على التحسين والتطوير في مجتمعاتهم.
يمكن لهذا النوع من التمويل أن يخدم مصالح منظمات المجتمع المدني الأكبر والأكثر مهنية؛ فهو يمكنهم من تعزيز القدرة لديهم على التخطيط والتنفيذ والمراقبة، ومواكبة أحدث المفاهيم في مجال عملهم، وتطوير إطار منطقي مقنع، وإثبات حضورهم في المنتديات التنموية رفيعة المستوى. في حين ظلت منظمات المجتمع المدني الأصغر، ولا سيما الهيئات التي تسعى لإحداث التغيير تعاني في العثور على موارد كافية لدعم عملها. وغالبًا ما لا يكون تمويل الدولة المحلي خيارًا متاحًا، وإن وجد، فكثيرًا ما يكون في غاية التعقيد. كذلك، فإن المؤسسات الخاصة محصورة العدد، خاصة تلك المهتمة بتمويل قضايا الحماية أو التغيير الاجتماعي.
لقد أدى كل ما سبق إلى اختلالات عميقة في موازين القوى القائمة، إذ اتضح بأن المجتمع المدني الدولي متخلّفٌ عن ركب التغيرات الاقتصادية والجيوسياسية العالمية التي بدأت في تبديد السلطة والنفوذ. نتيجة لذلك، من الضروري أن يتم التركيز على كيفية بناء مجتمع مدني قائم على أساس التنوع.
غالبًا ما تقوم الحكومات التي تخشى مخالفة التمويل الأجنبي إلى تقييد حتى أبسط الأموال المقدمة للمجتمع المدني وضبطها وفقًا للقوانين المحلية. ففي حال توانى المانحون عن أهمية إعادة توليف عملية التمويل بطريقة مبتكرة، بحيث تعيد تشكيل الهياكل والأنظمة الحالية، فستذهب جميع الجهود المبذولة نحو تحقيق تنمية مستدامة سدىً.
يحتاج المانحون إلى توفير تمويل يقوم على أساس التنوع؛ أي أنهم بحاجة إلى توفير مجموعة متنوعة من مصادر التمويل لمجموعة متعددة من أشكال المجتمع المدني ونشاطاته على مستويات مختلفة، وعلى مدى فترات زمنية مختلفة، وتحت مستويات متدرجة من المخاطر. كما يتعين على بعض المانحين تقديم التمويل الرئيسي لمنظمات المجتمع المدني بشكل مباشر، ولا سيّما تلك التي تسعى نحو خلق تغيير إيجابي في الدول النامية، ينبغي عليهم أيضًا مساندة عملية صنع القرار وجعلها في يد المستفيدين الأساسيين بقدر المستطاع.
إضافةً لذلك، هناك العديد من الأساليب التي يمكن من خلالها لجهات التمويل الوسيطة مساعدة المجتمع المدني، ومن الأمثلة على ذلك: توزيع منح مصغّرة للمنظمات الأصغر حجمًا كما تقوم به مؤسسة Forum Syd في السويد. أو عبر استخدام الأساليب المحلية مثل صندوق تنمية المرأة الأفريقية. أو من خلال التداخل مع المؤسسات المجتمعية مثل الصندوق العالمي للمؤسسات المجتمعية.
من المهم أن يعي المانحون بأن قرارات التمويل المتخذة لا تتوقف عند مدى الكفاءة والفعالية؛ بل أن القضايا السياسية أيضًا كثيرًا ما تتغلغل في عملية التمويل. ولذلك السبب، ينبغي على المانحين إدراك أن أحد أدوار المجتمع المدني هو طرح الأسئلة الصعبة وتحدي السلطة، ليقوموا هم بدورهم بالبحث حول مدى تمكينهم للدور المجتمعي واتخاذ أنسب الإجراءات التحسينية بناءً على ذلك.
إن زيادة التمويل المباشر لمنظمات المجتمع المدني صغيرة الحجم في الدول النامية قد أصبح ضرورةً أساسية
إن زيادة التمويل المباشر لمنظمات المجتمع المدني صغيرة الحجم في الدول النامية قد أصبح ضرورةً أساسية لمساعدة المنظمات على اختيار أفضل الحلول اللازمة لقضاياها، وإعداد هيئات قادرة على البقاء والازدهار حتى بعد تسليمها لمشاريعها التنموية، وتعزيز قدرتها على الهام وطمأنة الممولين المحليين بجدارتها وإمكانياتها المستقبلية على المدى الطويل.
لضمان حماية المجتمع المدني على نحو فعّال ومستدام من التحديات التي تعترض طريقه، فهناك حاجة ماسّة لإعداد كادر من الجهات الفاعلة المحلية ممن يمتلكون قاعدة موارد متنوعة وآمنة بشكل كافٍ للعمل من خلالها؛ فمن غير المعقول أن يُعوّل على منظمات المجتمع المدني الضعيفة التي تكتفي بأن يتم تشغيلها من خلال المنح والعقود الفرعية في أن تحقق تغييرات إيجابية.
