بقلم/ موزه العتيبي
(الجزء الأول)
منذ بدء الخليقة كانت القصص هي الأساس في توثيق التاريخ ونقل التجارب عبر الأزمان والبلدان المختلفة. وقد تطور فن رواية القصة من شكل رسومات على جدران الكهوف، واللغة الهيروغليفية المصرية القديمة، إلى الكتب المقروءة والمسموعة والأفلام المصورة.
وباعتباركم منظمة غير هادفة للربح، من المهم أن يكون لديكم أيضا قصة لتأسيس علامتكم المؤسسية بعمق إنساني يُحفّز المانحين لدعمكم دون انقطاع.
رواية قصة عظيمة هي أفضل وسيلة لجذب انتباه! فضلاً عن قلوب وعقول المانحين. لقد وجدت دراسة أجراها باحثون في جامعة (ييل) أن توفير البيانات عن تأثير الجمعيات الخيرية لا يُترجم دوما إلى المزيد من المال والمزيد من العطايا! إذن ما الذي يؤثر فيهم يا ترى؟
في الواقع، قام الأشخاص تحت الدراسة إلى إعطاء المزيد من المال عندما استمعوا لقصة عاطفية غير مدعومة بأي بيانات على الإطلاق! إن الحقيقة المُرة حول استخدام القصة مقابل استخدام البيانات للتواصل مع المانحين هو أن البشر لا يتذكرون البيانات.
عندما يأتي الأمر لإشعال الدافعية وتشجيع التبرعات فالبشر يستجيبون للعاطفة والمشاعر، وليس التفكير التحليلي. فهل هذا يعني أن نهمل توثيق أعمالنا بالبيانات ونتجاوز عن عرض الأثر الإيجابي باستخدام المقارنات الرقمية والكيفية في تقارير المنظمة؟ الإجابة بالتأكيد لا، عليكم المحافظة على مصداقية منظمتكم الغير ربحية من خلال توثيق أثر أعمالكم ودقة ميزانياتكم من خلال تقاريركم مع دعمها بالقصص الإنسانية المُلهمة أيضاً.
وتوجد عدة أسباب لاهتمام الناس بسماع وقراءة قصة جيدة أكثر من سماع وقراءة البيانات منها على سبيل المثال لا الحصر:
القصة الجيدة تحث المستمع / القارئ على التفكير بطريقة أعمق بشأن ما يدور حوله من أحداث
القصة الجيدة تخلق بعد انساني للبيانات المقدمة
القصة الجيدة تُساعد على استيعاب المواقف والمفاهيم المعقدة
القصة الجيدة تُثير الحماس ليتجاوز تفكير المستمع / القارئ كل المخاوف والشكوك
والسؤال الذي يتبادر لذهنكم الآن هو كيف يمكن لمنظمتكم أن تروي قصة مُلهمة عن عملها؟ والإجابة عليه هي محور المقالة التي بين يديكم الآن إنما هنالك سؤال لا يقل أهمية عنه يجب الإجابة عليه أولاً:
كيف يجمع مسؤول العلاقات العامة القصص من المستفيدين من خدمات المنظمة؟ إليكم نصائح جيدة يمكنكم مشاركتها مع زملائكم في العلاقات العامة أو إتباعها في حال رغبتم أن تقوموا أنتم بهذا الدور:
ابدأ والخاتمة في مخيلتك: جهز اسئلتك بحيث ترتكز على رؤية ورسالة المنظمة، فكر بالقصة التي تود الحصول عليها وابدأ في صياغة أسئلة تُساعد المُتحدث على سرد قصة مترابطة وذات مغزى.
|||
تجنّب استخدام كلمة “مقابلة” عند التعريف بما تقوم به، لأنها تحمل تصور عاطفي سلبي مرتبط بطبيعة المقابلات التي يقومون بها: مثل مقابلات العمل، مقابلات الأخصائي الاجتماعي، مقابلات المسؤولين في الدوائر الحكومية…. استبدل كلمة “مقابلة” بكلمة “جلسة” أو “دردشة”، كأن تقول “أنا معكم اليوم لدردشة خفيفة بشأن…”
|||
استمع أكثر مما تتحدث: استخدم الدقائق الأولى أو نحو ذلك لجعل المتحدث يشعر بالراحة من خلال التعبير عن شكرك للوقت الذي خصصه للحديث معك.ثم أطرح سؤال مفتوح مثل “ماذا تعني المساعدة لك؟” بعد ذلك، أغلق فمك، وقاوم الرغبة في ملء الصمت بعد هذا السؤال. اتح الفرصة للمتحدث بالتفكير والتأمل واختيار الكلمات والعبارات التي تمثله هو وتعبر عن مشاعره وتجربته. هل نحتاج أن نذكرك بأن تتجنب الأسئلة المُغلقة؟ يبدو أن فعلنا ذلك للتو.
|||
يمكنك الانحراف عن نص الأسئلة التي أعددتها مُسبقاً: نعرف أننا قمنا بنصحك في النقطة الأولى بإعداد اسئلة، وهي نصيحة جيدة لمساعدتك على الاستعداد وكسر الجمود مع المتحدث، إنما هذا لا يعني أن تتجاوز نقطة مهمة سمعتها أو مشاعر بدت على المتحدث تشعر أنها ستكون مفيدة لخلق قصة مُلهمة فقط لأنك لم تكتب سؤال بشأنها.
|||
تأكد من حصولك على الموافقة الخطية للصيغة النهائية التي ستخرج بها القصة للعلن حتى وإن لم تذكر اسم المتحدث صراحةً في القصة.
|||
كن مستعد لأي ردة فعل مفاجئة من المتحدث: تذكر بأنك تُقابل شخص في أزمة أو خرج تواً من أزمة وبالتالي قد يُظهر مشاعر ساخره أو عدائية أو ينهار باكياً أثناء حديثه، فلا تأخذ الأمر على محمل شخصي، ومهما حدث لا تقل عبارة “أعرف ما تمر به” أو “أعرف ما تقصد” لأنك ما لم تكن من نفس الفئة الاجتماعية والاقتصادية التي ينتمي لها هذا المتحدث فلا يمكن بأي حال من الأحوال أن تعرف ما يمر به! وحتى أن كنت كذلك فأنت لست هنا في دور المرشد أو الأخصائي الاجتماعي أنت كاتب لقصة وعليك الالتزام بهذا الدور. ما يمكنك القيام به هو متابعة تسجيل الحديث مع ابداء التفهم كهز الرأس أو الميل قليلاً في اتجاه المتحدث مع تقديم كأس ماء أو محرمة ورقية مع المحافظة التامة على هدوئك.
بعد أن تتكون لديكم محصلة جيدة من القصص عليكم الآن كتابتها اسعداداً للنشر. نأتي لمحور هذه المقالة: كيف يمكن لمنظمتكم أن تروي قصة مُلهمة عن عملها، تدفع القارئ للتبرع؟
هل سمعتم عن سرد “رحلة الأبطال” ؟ في عام 1949م أصدر الباحث الأمريكي جوزف كامبل كتاب باسم “البطل ذو الألف وجه” ، لخص فيها نتيجة دراسته لمئات الأساطير أحادية البطولة وهي ” أن جميع الأساطير أحادية البطولة المشهورة تتشارك في عناصر محددة وتتبع نفس البناء القصصي للبطل باختلاف مصدرها”.
يرتكز الهيكل البنائي “لرحلة البطل” على فرد عادي في مجتمعه لا يمثل وجوده أي فارق حتى يواجه مُعضلة في مجتمعه، تستلزم مساعدة من أحدهم قد يكون مُحسن أو مسن حكيم ومن خلال هذه المساعدة يتجاوز البطل العقبة الأولى في رحلته نحو انهاء المعضلة مغادراً البيئة التي نشأ فيها وماضياً نحو مغامرته الكبرى ويبدأ في مواجهة المحن التي تساهم في تدريبه وصقله لمواجهة التحدي النهائي في رحلته قد يكون وحش كاسر أو مارد عظيم، يواجه فيه البطل أكبر مخاوفه والتي يجب عليه تجاوزها بالانتصار وما أن يحقق ذلك حتى يحصل على مكاسب قد تكون كنز أو قوة ما، وبعدها يعود البطل لموطنه، إنما هذه الرحلة غيرت في بطلنا شيئا ما! هو عاد لعالمه العادي ولكن ليس لحياته المعتادة، نعم على البطل الآن أن يتخذ قرار بالعيش كشخص يستطيع أن يُحدث فرقا وله اعتبار مهم في تحسين موطنه، وهذه هي هويته الجديدة التي سيمضي بها من الآن فصاعداً.
حاول أن تتذكر قصة ألهمتك في طفولتك أو حتى فيلما خياليا أعجبك.. ستجد بأنها جميعها تتبع النسق أعلاه، الرجل الوطواط Batman، الرجل العنكبوت Spider man، سيد الخواتم Lord of the rings، الشجاعة Brave، اليس في بلاد العجائبAlice in wonderland ، جزيرة الكنز Treasure Island، بل حتى حكاية لعبة Toy story والأساطير العربية مثل علاء الدين ورحلة السندباد تتبع نفس هذا الهيكل البنائي.
أكمل الجزء الثاني من المقال
