تحرير/ فريق جين التنموية
في ظل أوجه عدم التكافؤ البنيوية في نظم عمل المجالس الإدارية غير الربحية، برزت حاجة ملحة بضرورة إعادة إنعاش المجالس الإدارية للمنظمات من خلال تغيير الطرق التقليدية التي عملت بها سابقًا، وتركيز توجيه أولوياتها نحو تحقيق غرض المنظمة، ومراعاة المنظومة البيئية التي تعمل بها، والالتزام بمعايير العدالة البيئية لمنظومة العمل، والتأكيد على دور الفئات المستفيدة في مشاركة العمل مع المنظمة؛ مما يخدم المجالس غير الربحية في إدارة المنظمات الاجتماعية المسؤولة عنها على نحو أكثر عدالة وفعالية.
حالة المجالس الإدارية اليوم
تتميز المجالس الإدارية غير الربحية بهيكلٍ مرنٍ من السلطة والصلاحيات التي تحكمها لوائح داخلية تمكنهم من إعادة تصميمها وفقًا للحالة القائمة في منظمتهم؛ شريطة أن يكون لدى جميع أعضاء المجلس إرادة جماعية نحو التغيير؛ مما يجعلهم في حالة تحدٍ كبير أمام (أنفسهم) بالمساءلة فيما يخص احتمالية فشل النظام الإداري لديهم.
نتيجة لذلك، تتجه المجالس الإدارية إلى تحديد مسئولياتها الأساسية بنفسها وفقًا لسلم أولوياتها. فعلى سبيل المثال، عندما تصنف مجالس الإدارة نفسها كجهة لجمع التبرعات، يتم تمييز قدراتها وفقًا لقدرتها على الوصول إلى التمويل والتشبيك مع جهات الدعم المالي المختلفة.
ولكن في بعض الحالات، قد ينبغي على ذلك المجلس الإداري ذاته المشاركة في العمل الاستراتيجي الذي يتطلب فهماً عميقاً للعمل الذي تقوم به المنظمة والمجتمع الذي تسعى إلى خدمته؛ عندئذ، يجد المجلس الإداري نفسه كهيئة إشراف مالي بأنه غير مجهز للتعامل مع التحديات الأكثر إستراتيجية المتوقع منه مواجهتها.
الأمر الذي يضطر المنظمة إلى مواجهة خيارين حرجين: إما تهميش دور المجلس في اتخاذ القرارات الاستراتيجية، مما يجعله عرضةً لتحديات قيادية؛ أو أن يتخذ المجلس قرارات بناء على معلومات خاطئة وآراء غير مستنيرة، مما يؤول إلى مخاطر كبيرة من شأنها التأثير سلبًا على فئات المجتمع الأكثر ضعفًا وتهميشًا.
المبادئ الأساسية للقيادة الموجهة نحو للغرض
يتكون مفهوم القيادة الموجهة نحو الغرض من أربعة مبادئ أساسية، متكاملة وتعزز بعضها البعض لتحديد الطريقة التي يمكن للمجلس الإداري من خلالها تحسين أنظمة عمله والتعامل مع التحديات المختلفة. تشمل المبادئ ما يلي:
(1) إيلاء الأولوية القصوى للغرض من المنظمة قبل المنظمة ذاتها
لطالما كان المحرك التقليدي للمنظمات هو (المهمة) التي تعمل من أجلها، حيث يتركز عمل المجلس الإداري على السعي نحو تعزيز الصالح العام ودعم المنظمة وضمان استدامتها في خدمة مهمتها. بينما يساعد تطبيق مفهوم “الغرض قبل المنظمة” في إعادة تركيز المنظمة على غرضها الأساسي والبحث في كيفية إدارة القدرات المنظماتية والموارد بشكل أفضل في خدمة الغرض وتعظيم أثاره الإيجابية.
- تساؤلات المجلس الإداري التقليدي: ماذا تحتاج منظمتنا؟
- تساؤلات المجلس الإداري الموجه نحو الغرض: كيف يمكن أن نحقق الآثار الاجتماعية المرجوة؟
(2) مراعاة المنظومة البيئية (الايكولوجية)
على الرغم من أهمية مراعاة السياق الشامل للعلاقات بين المنظمات وبرامجها والظروف التمويلية؛ إلّا أن الوعي بهذه المحركات قلّما يُمثل أولوية المعرفة والفهم على مستوى المجلس الإداري. لذا، تميل مجالس الإدارة الموجهة نحو الغرض إلى التأكيد على أن جميع أصحاب المصلحة هم جزءٌ من مجموعات رسمية أو غير رسمية تتأثر بالتحديات المجتمعية، وبأن لها دور أساسي في تطوير وإصلاح المنظومة البيئية. كما يجب على المجالس الإدارية أن تعي أهمية النظام البيئي كجزء من عملية صنع القرار الخاصة بهم؛ فإن كان القرار مفيدًا للمنظمة ولكنه لا يخدم النظام البيئي، ينبغي حينها إعادة النظر مجددًا والبحث عن مسار مختلف يمكنه تحقيق الفائدة.
- تساؤلات المجلس الإداري التقليدي: كيف سيؤثر ذلك لمنظمتنا؟
- تساؤلات المجلس الإداري الموجه نحو الغرض: كيف سيؤثر ذلك على جميع أصحاب المصلحة والمحركات داخل نظامنا البيئي؟ وهل سيساعدنا النظام بيئي على تحقيق أفضل النتائج؟
(3) تعزيز العدالة في منظومة العمل
يقصد بمفهوم العدالة في منظومة العمل مراعاة مجموعة واسعة الأبعاد العدالة من ضمنها، التخصيص المدروس للموارد، والرقابة البرامجية التي تهتم بالقضايا العرقية والتراكيب السكانية الأخرى، وتكوين المجلس الإداري المتنوع والشامل، وتقاسم القيادة مع فريق العمل.
يساهم الوعي بكيفية تأثير جوانب تحقيق العدالة في منظومة العمل على خلق فرصٍ قوية لتعميق أثر وملاءمة المنظمة، والنهوض بالصالح المجتمعي العام.
- تساؤلات المجلس الإداري التقليدي: كيف ستعمل استراتيجيتنا على تعزيز مهمتنا؟
- تساؤلات المجلس الإداري الموجه نحو الغرض: كيف سيخلق هذا القرار أو الاستراتيجية نتائج أكثر عدلًا؟ هل هناك طرق أخرى من شأنها أن تعزز العدالة في منظومة العمل؟
(4) تعزيز مشاركة الفئات المستهدفة والأكثر تأثرًا بخدمات المنظمة
تقع على عاتق المجالس الإدارية مسؤولية إشراك أصحاب المصلحة في أنشطة المنظمة ومشاركتهم في اتخاذ القرارات، والانخراط في بيئتهم لضمان الفهم الحقيقي لأصول المجتمع واحتياجاته وتفضيلاته وتطلعاته؛ مما يخدم المجلس الاداري في كسب الثقة المطلوبة للقيام بأنشطتها في خدمة القطاع المجتمعي.
- تساؤلات المجلس الإداري التقليدي: ما هو الأفضل من وجهة نظرنا؟
- تساؤلات المجلس الإداري الموجه نحو الغرض: هل نمتلك الصلاحيات الكافية للعمل مع المجتمع المستهدف؟ هل نركز بما فيه الكفاية للاستماع إلى ما يقوله لنا أصحاب المصلحة؟
نظرة مستقبلية حول المجالس الإدارية الموجهة نحو الغرض
يمكن لقيادة المجلس الإداري الموجه نحو الغرض أن تغير الطريقة التي يتم بها شغل المجالس الإدارية واستقطاب القادة الذين لديهم دوافع لاتباع المبادئ الموجهة نحو الغرض ويمتلكون تصورات بفعاليتها الإدارية. تعرض قيادة المجلس الإداري الموجهة نحو الغرض صورةً مميزةً لحوكمة القطاع الاجتماعي، بعيدًا عن الطرق التقليدية لتصورات الحوكمة غير الربحية التي غفلت عن الاعتراف بالمسؤولية الفريدة لمنظمات القطاع الاجتماعي والمجالس التي تقودها.
إن تطبيق مبادئ قيادة المجلس الإداري الموجه نحو الغرض يعني الميل إلى السعي لتحقيق غاية اجتماعية مفيدة على مستوى النظام البيئي والابتعاد عن الحمائية والترويج الذاتي على المستوى المنظماتي.
قد يرى بعض أعضاء المجلس الإدارية بأن التركيز نحو الغرض سيكون تحولًا ملهمًا لتحقيق تأثير اجتماعي أكبر؛ بينما قد يبدو للآخرين على أنه مشهد تنافسي فيه خسارة للهوية التقليدية المتعارف عليها في أنظمة المجالس الإدارية.
ومع ذلك، فإن قيادة المجلس الإداري الموجه نحو الغرض هي تحول فكري نحو دور المجلس الإداري ، وليس هيكلًا أو مجموعة من الممارسات الفنية بقدر ما هي طريقة للتفكير والتطوير اللازم لمعالجة التحديات المعاصرة، إضافة لكونه اتجاه جديد من المجالس الإدارية والمنظمات التي تسعى لتعزيز التأثير الاجتماعي الإيجابي والتغيير بما يتوافق مع خدمة المجتمع.
