بقلم/ موزه العتيبي
بتنا نعرف أهمية مؤسسات المجتمع المدني ، وكيف أن قطاعنا غير الربحي (الخيري) بأتي مكملا للقطاعات الأخرى (الحكومي والخاص) لبناء مجتمع متوازن ورصين. في الآونة الأخيرة أصبحنا نسمع عن الكثير من المبادرات التطوعية من جهات خيرية متعددة ويتم إعلانها بحملة إعلامية رنانة، ثم تختفي دون أن نعرف أثرها الحقيقي أو نتائجها. وحتى نحصل على مبادرات تطوعية تحقق أثرا إيجابيا وتغييرا نوعيا في المجتمع، يجب على أصحاب هذه المبادرات أن يتأكدوا من أنها تحقق شروط الاستدامة سواءً في عمل المبادرة نفسها أو في أثرها على المجتمع حتى بعد توقفها.. بطبيعة الحال ، لا نطالب كل المبادرات المشروعات أن تكون كذلك ، ولكن على الأقل ليكن الضجيج الإعلامي متناسبا مع الأثر والعوائد المتوقعة، فأحيانا نخاف أن مصروفات الدعاية أكثر مما يصل للمستفيدين!
الاستدامة في اللغة العربية تعني: الاستمرار، الثبات والدوام. ولتحقيق أثر إيجابي مستدام فإن هناك عددا من العناصر التي يجب التوقف عندها لتصميم مبادرة تنموية مستدامة تحقق أهدافها المرسومة وغاياتها الحميدة، وهي كالتالي :
تحليل الاحتياجات(Needs assessment) :
في شتاءعام 2012م قامت مجموعة من الفتيات السعوديات المتحمسات، بحملة لجمع معاطف، للتبرع بها لأحد مخيمات اللاجئين بالأردن، وبالفعل تمكن الفتيات من جمع ما يفوق ال1500 معطف، وتوجهت إحداهن بصحبة هذه التبرعات للمخيم، لتُفاجئ بأن أهالي هذا المخيم لا يحتاجون تدفئة! لقد رفض القيمون على المخيم التبرع بلطف، وأبلغوا الفتاة بأنه تم تغطية حاجات التدفئة لسكان هذا المخيم؛ إنما هم بحاجة ماسة جداً لفوط صحية للسيدات والفتيات البالغات، لمساعدتهن على اجتياز فترات الدورة الشهرية بصحة جيدة وكرامه محفوظة… كم منكم أعزائي فكر بهذه الحاجة لدى ساكنات المخيمات؟ هنالك طرق عديدة لتحليل الاحتياجات، أسهلها أن تطرح على نفسك هذه الأسئلة قبل أن تبدأ أي مبادرة تطوعية:
هل المشكلة، هي فعلاً مشكلة؟ هل لديك أرقام وبيانات توضح حجم هذه المشكلة وطبيعة انتشارها، ومن هي الفئة التي تؤثر سلباً عليهم، وعلى مدى كم سنة امتدت هذه المشكلة؟
هل يوجد أحد غيرك يعمل على حل هذه المشكلة؟ إلى أين وصلت جهودهم في حلها؟ قد يكون من الأفضل أن تنضم لهم وتساعدهم بأفكارك، وتوحدون جهودكم لزيادة الأثر الإيجابي على تنمية المجتمع.
كيف يمكن أن أجمع معلومات، وآراء بشأن هذه المشكلة؟ هل أعد استبانة إلكترونية؟ هل الأفضل أن أجمع معلومات من خلال مجاميع مركزة من الشرائح المستهدفة بالمبادرة؟
2.الوصول (Reach) :
كيف تصل للفئة المستهدفة؟ كم عدد من تستطيع الوصول لهم؟ وهل هم الأكثر حاجة لخدماتك؟ هل تكلفة الوصول لفئتك المستهدفة عالية؟ كم ستنفق من وقتك و من مال التبرعات لإيصال الخدمة لهذه الفئة؟ الإجابة على سؤال النفقات سيساعدك في تقدير فترة قدرة مبادرتك على العمل، وكذلك هل ستتمكن من حصد النتائج، وهل هذه النتائج ستدوم حتى بعد توقف مبادرتك.
هامش التحسين:
ما هو هامش التحسين الذي سيتحقق للفئة المستهدفة؟ إذا كانت المبادرة للقضاء على الفقر، كم سترفع من نسبة الحد الأدنى لدخل الأسرة الفقيرة؟ إذا كانت المبادرة متعلقة بتحسين الحالة الصحية، فهناك عوامل يحب أن تقيسها تبعاً لهدفك، هل ستزيد من عمر الفئة المستهدفة؟ هل ستقلل من ظهور حالة مرضية معينة؟
الفعالية (Efficiency) :
كم من المال ستنفق لتحقيق هذا التأثير؟على سبيل المثال، إذا كنت تعمل في مجال القضاء على الفقر، ما هو المبلغ بالريال ستنفقه لإلحاق فرد بالغ في الأسرة الفقيرة بوظيفة؟ هنا تبرز أهمية الاستدامة. في مجال المساعدات الإنسانية، كما تعلمون، الكثير من البرامج تكون مؤثرة فقط طالما أن أموال المساعدات متوفرة، وبعد ذلك تختفي هي وأثرها. لذلك حتى تكون المبادرة فعالة من المهم أن يستمر أثرها حتى بعد توقفها عن العمل.
قابلية التوسع (Scalability): :
قد تتسائل، لماذا يجب أن أهتم بقابلية التوسع لمبادرة تطوعية؟ ستفهم ذلك، عندما تعرف معنى قابلية التوسع، وهي تعني: التكاليف الإضافية للوصول إلى مستفيدين إضافيين. حتى تضمن استدامة مبادرتك وتوسيع وتعميق أثرها، يجب أن يكون لديك القدرة المالية لإضافة مستفيدين جدد.
قابلية التكرار:
المبادرة الجيدة يجب أن تكون ذات نموذج عمل قابل للتكرار في مناطق مختلفة، تعاني من نفس المشكلة. بحيث تُحدث أثر أعمق وأكثر استمرار في تنمية المجتمع وحل المشكلة المُستهدفة.
تكمن أهمية المبادرة التطوعية المستدامة في كيفية إحداث الأثر على نحو فعال، وكيفية القيام بذلك على نطاق واسع. إذا لم تحقق المبادرة هذين الأمرين فهي لا تعدو كونها حركة أو موضة الهدف منها تحقيق الشهرة أو مصلحة شخصية، أو للأسف هي نية صالحة لم يتم التخطيط لها جيداً.
